خليل الصفدي

398

أعيان العصر وأعوان النصر

ما أوافق أنا عليه أبدا ؛ لأننا حلفنا لأستاذنا ولأولاده من بعده غير مرة ، ولما أمسكنا تنكز حلفنا له ولهم ، والسلطان قد مات ، وهذا سيدي أحمد في الكرك ، ووالده أعطاه إياها ، فكيف يليق بنا - معاشر مماليكه - أن نخلع ابنه الواحد من ملكه الذي نص عليه وقرره ، ونهجج أولاده وحريمه إلى قوص ، ونحاصر ولده الأكبر في الكرك ، أيش يقول العدو عنا ! ، وسير كتبه بهذه المادة ، وما جرى مجراها إلى قوصون وإلى الأمراء الكبار ، وإلى الطنبغا نائب دمشق ، وتواتر منه ذلك ، وتحامل عليه الطنبغا ، واتفق مع قوصون أنه يتوجه إلى محاربته بعسكر دمشق ، وإمساكه أو طرده ، فجرى ما ذكرته في ترجمة الطنبغا ، ولما برز طشتمر من حلب ، وعلم أن ما في يده من أمراء حلب شيئا ، خرج من حلب ، وترك خزانته وحواصله بها ، وحمل ما يقدر عليه من الذهب الفضة والحوائص ، وما أشبه ذلك ، ولحقه بعض عساكر حلب ، وما أقدموا عليه ، وجعل كلما مرّ على قلعة من حصون حلب ناوشه عسكرها القتال ، وهو يخلص من الجميع ، ودخل إلى الروم في أمطار عظيمة وثلوج زائدة ، وبقي هناك إلى أن ملك الفخري دمشق ، وانهزم الطنبغا ومن معه إلى مصر - على ما تقدم - ، وكتب الفخري إلى الناصر أحمد يطلب حضوره إلى دمشق ، فشرع يدافعه من وقت إلى وقت ، حتى فهم عنه أنه ما يحضر إلا بعد حضور طشتمر ، فجهز الفخري البريد إلى أرتنا حاكم الروم ، واجتهد في حضور طشتمر كل الاجتهاد . فلما كان في شهر رمضان وصل طشتمر إلى دمشق ، وكان قد خرج من حلب في أوائل جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ، وقاسى في الطرقات مشاق ومصاعب ، ونجا من الموت مرات ، ثم إن الفخري وطشتمر توجهوا بالعساكر الشامية ، ولما وصلوا إلى غزة بلغهم أن الناصر أحمد توجّه من الكرك إلى القاهرة ، فدخلوا إلى مصر بعده ، وأقبل عليهما ، وقرر له الملك تقريرا ، ما فرح به غيره لاجتماع العساكر بمصر والشام ، والقضاة بمصر والشام والخليفة ، وكان يوما عظيما قلّ أن وقع في مصر مثله ، ثم إنه قرر طشتمر في نيابة مصر ، وبعث الفخري إلى دمشق نائبا ، فأقام وطشتمر في النيابة تقدير أربعين يوما ، وعمل النيابة بعظمة زائدة إلى الغاية القصوى ، وتحجّر على السلطان زائدا ، ومنع الناس من الدخول إليه ، فصبر السلطان عليه إلى أن خرج الفخري إلى الشام ، وتوسط الرمل ، وطلب طشتمر ، فدخل إليه فأمسكه في القصر عنده ، وجهز الطنبغا المارداني في الحال وغيره لإمساك الفخري ، وخرج السلطان من القاهرة ، وتوجه إلى الكرك ، وأخذ طشتمر معه معتقلا ، وجهز إلى الطنبغا ؛ ليجهز الفخري إليه إلى الكرك ، فوصل إليه ، وجعل الاثنين في الاعتقال بقلعة الكرك ، فأقاما مدة يسيرة ، فقيل : إن السلطان بات برا الكرك ليلة ، وأنهما كسرا باب محبسهما وخرجا منه ، وجاء الخبر ، فأمر بإحضارهما إليه ، وضرب عنقهما